مجلة بنت الشاطئ للشعر والادب كتب الشاعر غسان دلل قصيدة الشحاد والآله

الشحاد والآلة..

رأيته ببالي الأيام يكنس الرصيف..
رأيته حاف..
رأيته يبحث عن رغيف..
اكتسي الاسفلت لون وجهه..
بائس العين..ضعيف..
خطوط العرق  تشقه..
والغبار يعلو أنفه النحيف..
ومحراث الزمان...
حفر خده  وجبهته..
ليفضح بؤسه..
ويسقط عن رأسه..
أخر أوراق الخريف ..
لوحة هو ..منقوشة بالحزن..
مهملة في متحف المدينة..
منذ المدينة..
دون اكتراث ودون تنظيف..
فيرى الدنيا من محاجره..
بعدما في دورتها داخ..
وتحطم زجاج عينيه..
بدورانها العنيف..
ليراها...كما يراها..
دون رتوش ودون تزيف..
فالأقدار جففتها..
وداس فيها القريب والغريب..
فما يبدو للآخرين مهم..
يبدو له  أمرا سخيف..
فالأيام تكرار..
بلا دهشة وبلا اسماء..
فما الفرق بين يوم الإثنين..
ويوم الاربعاء..!!؟
فلا أحدا ينتظره..
وهو ليس لأحد بانتظار..
فسماؤه منذ  المساء..
خالية من الأنجم والأقمار..
وفمه منذ متى..
توقف عن السؤال..
لما هناك جوعى..!؟
لما هناك ظلم..!!
ولما هناك أثرياء وبؤساء..!!؟
ولما الانفعال..؟
فمعاركه وحروبه انتهت بالعار..
فإن اعطوه أو لم يعطوه..
ليس له اعتبار..
فنهاية الأمر سيان..
قطعة خبز جافة..
او بقايا من الحاوية تضمن الاستمرار..
فهذه هي الحياة..
وهذا هو الإنسان..
لعبة سخيفة هي..
من لا يتقن دوره فيها..
ينتهي خارج اللعبة والملعب ..
ومطاردا  خارج الاسوار..
فحياته كانت عزفا منفرداً..
على اوتارا قيثارة صماء..
فالأسئلة.. أسئلة..
والأجوبة..أجوبة ..
لن تغير الأمور..
ولن تغير الأحوال..
فالنظام رفعه الناس..
على أعمدة من العظام..
وعلى جماجم الناس..
وهو مجبول..
بخلطة من الدم..
و الشحم واللحم..
يربطها ويشدها..
الأسمنت والحديد والرصاص..
ولن يغيره أحد ..
فالناس منذ التاريخ..
هي الناس..
ولكنها الآلة الأن..
تقتل..تحي وتغير الإحساس..
فبالامس..
كانوا يسوقون الحمار..
يشعرون معه..
فلقد كان حيا..صديقا..
وكان خادما شديد البأس..
واليوم تقودهم الآلة..
بسرعة..وبلا رحمة..
ليغرقوا بالاستهلاك..
فيزدادون جفاء..
وفي البلاهة يزدادون انغماس..
فهم يعيشون مع الآلة..
وغدا سيعيشون في الآلة..
دون تفريق وتصنيف..
سيارات..حافلات بالمئات..
صور تمر..
ويمر في خياله  آلاف الأشخاص..
فيبتسم البسيط بمكر وخبث..
وكأنما غزى عقله خيالا غريبا..
وجال به الوسواس الخناس..
ها هي الآلة تحقق الانتصار تلو الانتصار..
تردم الهوة بين الرجال والنساء..
تحرث ..تزرع ..تحصد..الحبوب..
وتجمع  الخضروات..
تنقل الأمم  والصناعات بين القارت..
وتحدد نوع وشكل وحجم الفواكه ..
وتطبخ وتجهز بنفس المقادير..
وبنفس المذاق للملاين الوجبات..
دون تميز بين ابيض واسود..
وبين البشر من مختلف المشارب والديانات..
فالجميع امامها سواسية وإن اختلفت الأجناس..
وغدا تعم الآلة وتسود..
وتصبح الآلة وإن انكرنا هي المعبود..
فالآلة ضرورة حياة..
فهل يمكن دونها الآن إستمرار الوجود..!!؟
صنعوها لتخدمهم..
فاصبحت سيدة لهم..
واصبحوا عبيد..
يحموها..
يصونوها..ويرعوها ..
ويتقاتلون ويموتون من أجلها..
وحول من يستأثر بها.. ويقدم لها الوقود..
فهي الحبية والقريبة..
معها الرخاء..
ودونها تتكبل الحرية وتعد القيود..
فهل تنجح الحبيبة..فيما فشل فيه الناس..!!؟
هل حين يتجرد الإنسان من الإحساس..
تسود المساواة والعدالة..وتصبح أفضل حال الناس..!!؟
رأيته ببالي الأيام يكنس الرصيف..
بعيونه الحيرى يحدق باحذية المارة بشكل مخيف..
ويتساءل..!!
من سينتقم لي..!!؟
من سينتقم لي..!!
فإن لم يكن في الناس خيرا..
فتوقع الخير من الآلة..
قد يكن هراء..
وقد يكن أيضاً أمرا سخيف..!!
غسان دلل..

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مجله بنت الشاطئ للشعر والادب كتب الشاعر محمد عناني قصيدة يا اللي بعتم الاوطان